التحول الرقمي

القرية الرقمية: آثار التحول الرقمي على الاقتصاد الريفي في الصين

في مطلع عام 2020 أعلنت الحكومة المركزية في الصين عن خططها لإطلاق “القرية الرقمية”، وهي أحدث دَفعة نحو تحقيق رؤية “الصين الرقمية” منذ وضع سياسة استهلاك المعلومات في عام 2013، والتي تُروِّج لاستخدام تكنولوجيا المعلومات في تحفيز المزيد من الاستهلاك المحلي، الأمر الذي سبَّب طفرةً في الاقتصاد القائم على الإنترنت للأجهزة المحمولة.

وسجَّلت الصين في مارس/آذار من هذا العام أكبر عدد من السكان من مستخدمي الإنترنت بعدد 903 مليون شخص، وتجاوزت نسبة من يستخدمون الهواتف المحمولة للدخول على الإنترنت 99% منهم، وفقًا لمركز معلومات شبكة الإنترنت في الصين. وبالنسبة للكثير من الأشخاص في الصين، وخصوصًا في المناطق الريفية، تبدأ تجربتهم في استخدام الإنترنت غالبًا عن طريق الهواتف المحمولة وليس الحواسيب المكتبية.

وفي الواقع، اعتاد المزارعون على نمط الحياة الرقمي بسرعة؛ بفضل استخدام مدفوعات الهواتف المحمولة ومشاهدة مقاطع الفيديو على الإنترنت للترفيه. وفي بعض مناطق الصين، يتفوق اتصال القرويين بالإنترنت على مواطنيهم من المقيمين في المدن الكبيرة.

وتحظى خدمات الدفع بواسطة الهواتف المحمولة بشعبيةٍ كبيرة في المناطق الغربية الأقل تطورًا في الصين مُقارنةً بمدنها الساحلية. وفي عام 2014، تفوقت منطقة التبت المُتمتعة بالحكم الذاتي على غيرها من المناطق في تبني نظم الدفع عن طريق الهواتف، وحل في المراتب التالية إقليما شانشي ونينغشيا النائيان. وفي هذه المقاطعات، فاقت التحويلات عبر الهواتف المحمولة مثيلاتها في المدن الصينية الكبرى مثل بكين وشنغهاي.

يُتيح توفير الإنترنت والتقنيات الرقمية للمزارعين فرص اقتصادية ومشروعات جديدة لتسويق الإنتاج الزراعي.

وظلت التبت في السنوات التالية على رأس القائمة، وفي عام 2016 كانت هي المقاطعة الأولى التي بلغت فيها نسبة الدفع عبر الإنترنت 90%. والسبب وراء ذلك مفهوم إلى حدٍ كبير؛ فهناك نقص في متاجر البيع بالتجزئة والنظم المصرفية، ولذلك لجأ السكان إلى التسوق عبر الإنترنت والدفع عبر الهاتف المحمول في محاولة للعثور على المنتجات التي يريدونها، بحسب ما جاء في مقال نشره موقع المنتدى الاقتصادي العالمي. وخلال السنوات الأخيرة، ترك التحول الرقمي والتقنيات الرقمية تأثيرات عميقة على الاقتصاد الريفي والمزارعين في الصين، فيما يلي ثلاثة من أبرزها.

1. اتجاه المزارعين إلى التجارة الإلكترونية

يدعم الاتصال بالإنترنت عبر الأجهزة المحمولة توفير فرص عمل جديدة في المناطق الريفية؛ فيتحول بعض المزارعين إلى بائعين على شبكة الإنترنت. وعلى سبيل المثال، واجه مزارعو الفواكه صعوبات في تسويق إنتاجهم واعتمدوا على الجلوس على جوانب الطرقات انتظارًا لتوقف السائقين للشراء منهم. ومع تحول أغلب حركة المرور إلى الطرق السريعة الحديثة، كثيرًا ما اضُطر المزارعون إلى إلقاء الفواكه الفاسدة في الطرقات. لكن مع الإنترنت، يحتاج رائد الأعمال الريفي إلى حاسب مُستعمل أو هاتف ذكي واتصال بالإنترنت ومساحة عشرين متر مربع للتحول إلى البيع بالتجزئة عبر الإنترنت.

وحين تنشأ طرق جديدة لنقل المنتجات الزراعية إلى المدن، يُصبح بوسع كل مُزارع أن يبدأ تجارته على شبكة الإنترنت مع زيادة الطلب في المدن على المنتجات الزراعية الطازجة الآمنة، وهو الاتجاه الذي ساهمت جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) في نموه.

وفي ظل توفير المنصات الرئيسية الرائجة في الصين مثل موقع “علي بابا” و”تيسينت” لإمكانات التراسل عبر مواقع التواصل الاجتماعي والبنية الأساسية للمدفوعات، يستطيع المزارعون بسهولة التعامل مع الطلبات التجارية الكبيرة للعملاء من جميع أنحاء الصين، بل والأسواق العالمية.

2. أدوات رقمية جديدة لرواد الأعمال المزارعين

يتطلب توسع الإنترنت في المناطق الريفية والنائية في الصين زيادة الاستثمارات في البنية الأساسية الرقمية.

يُسهِم تطوير البنية الأساسية الرقمية في توفير المزيد من الأدوات الرقمية لرواد الأعمال وأصحاب المشروعات من المزارعين. وخلال جائحة كوفيد-19، اتجه صغار التجار، الذين لم يسبق لكثيرٍ منهم استخدام الإنترنت، إلى بث مقاطع الفيديو لتعزيز المبيعات في وقت تتغير فيه عادات المستهلكين بسرعةٍ أكبر من أي وقت مضى. وكان لافتًا تحسن البيع بشكلٍ كبير عبر البث المُباشر على قنوات التجارة الإلكترونية.

ويرجع هذا جزئيًا إلى توفير منصات الإعلام الجديد مجموعة كبيرة من أدوات الفيديو سهلة الاستخدام، الأمر الذي يسمح للمزارعين بإضافة مقاطع الفيديو إلى أعمالهم التسويقية بسهولة. كما يُعتبر البث المُباشر للفيديو يعتبر وسيلة تفاعل فورية للمستهلكين الصينيين الذين يحصلون بيسر على أحدث المعلومات حول المنتجات المزروعة محليًا أو التي يصنعها المزارعون في المناطق الريفية.

3.التقنيات الرقمية تُغيّر نماذج العمل الزراعي وتزيد الأرباح

لأسبابٍ تاريخية، ظل نصيب الفرد في الصين من الأراضي الصالحة للزراعة أقل نسبيًا من غيره في بلدان أخرى مثل الولايات المتحدة؛ حيث تنتشر المزارع الشاسعة وتتوافر إمكانات لتطوير الإنتاج الزراعي وتنظيم نقل المنتجات الزراعية.

ويستخدم المزارعون في الصين منصات التجارة الإلكترونية الاجتماعية مثل “بندودو” (Pinduoduo) للتعرف على اهتمامات المستخدمين وطلباتهم وتعديل خطط الإنتاج والمبيعات وفقًا لذلك. وتُفيد هذه المنصات  في تجميع طلبات أكبر على المنتجات الزراعية، الأمر الذي يُقلل اعتماد المزارعين على الموزعين ويُمكّنهم من البيع بشكل مُباشرٍ إلى المستهلكين.

 ومن ناحيةٍ أخرى، تَمد المنصات الرقمية المزارعين بمعلومات تعذر الوصول إليها من قبل حول اتجاهات السوق واحتياجات المستهلكين، وهو أمر يُتيح للمزارعين تحقيق مكاسب أعلى بفضل تراجع تكاليف التوزيع وارتفاع حجم الطلبات.

وعلى الرغم من توسع دور التقنيات الرقمية وتأثيرها، فلا يزال هناك مئات الملايين من غير المستخدمين للإنترنت في الصين، التي يبلغ عدد سكانها نحو 1.4 مليار نسمة، ويعيش أغلبهم من القرى. وبلغ مُعدل الوصول إلى الإنترنت في الصين 64.5% في مارس/آذار 2020، ما يزيد قليلًا عن المتوسط العالمي. كما أن نمو الاتصالات تراجع في السنوات الأخيرة؛ نظرًا لأن انتشار الإنترنت في المناطق الريفية أقل بشكلٍ واضح من مثيله في المدن الكبرى.

ولذلك يتطلب انتشار الإنترنت في المناطق الريفية في الصين استثمارات كبيرة في البنية الأساسية للاتصالات في المناطق النائية. وتُقدِّم مبادرة “القرية الرقمية” الدعم المالي والتنظيمي من قِبَل الحكومة المركزية. وعند توافر الإنترنت للمزارعين، فلن ينضموا فقط إلى جماهير خدمات الترفيه عبر الإنترنت والدفع عبر الهواتف المحمولة، وإنما يمكنهم أيضًا التحول إلى رواد أعمال يُطلقون مشروعاتهم الاقتصادية الخاصة.

وقد تكون “القرية الرقمية” الصينية مرجعًا مُفيدَا للعالم في كيفية سد الفجوة الرقمية. وحين تهتم الحكومات في مُختلف أنحاء العالم بتحقيق التحول الرقمي في اقتصادها الريفي، قد يُقدِّم المزارعون مصادر جديدة للإنتاجية يحتاجها بشدة الاقتصاد العالمي المُتضرر من جائحة كورونا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق