الذكاء الاصطناعي

أربعة أمثلة على دعم الذكاء الاصطناعي للمدن الذكية

يصعب تحديد ما تعنيه المدن الذكية بدقة؛ فيرى مُؤيدوها أن استخدام التكنولوجيا الذكية وتحليلات البيانات عنوانها الأبرز وميزتها الأهم ويدافعون عن دورها في تحسين الخدمات وتوفير التكاليف. وفي المُقابل يتخوف فريقٌ آخر من استغلال وصف الذكاء كوسيلة للتسويق بغض النظر عن تعبيره عن ابتكارٍ حقيقي أو تأثيره الإيجابي. ويسوق هؤلاء أمثلةً تبدأ من فرش الأسنان المُتصلة بالإنترنت وحتى شركات تُضيف تقنيات رائجة إلى أسمائها دون حاجة فعلية.

ويحمل كلا الرأيين قدرًا من الصواب؛ فلا تضمن التكنولوجيا بالضرورة الارتقاء بالمنتجات أو الخدمات. وكذلك الحال مع المدن الذكية فتُحيط ببعض تقنياتها مخاوف مُبررة من استغلالها في المراقبة الشاملة والتمييز وقمع الحريات فضلًا عن شكوك في جدوى بعضها.

وفي الوقت نفسه، أسهمت مبادرات المدن الذكية بدعمٍ من الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في التخفيف من حدة بعض المشكلات الحضرية وتحسين الخدمات وتيسير حياة السكان من المواصلات إلى الأمن والمرافق العامة. وفيما يلي أربعة أمثلة على إسهام الذكاء الاصطناعي في بناء المدن الذكية.

أولًا: حركة المرور:

في المدن المزدحمة لا يرتبط الوقت اللازم لبلوغ وجهة ما بالمسافة وحدها، وإنما أيضًا بطبيعة حركة المرور وتوزيع الإشارات. ولذلك تستعين عدة مدن مثل لوس أنجليس وسان أنطونيو وسان بيتسبيرج في الولايات المتحدة بأنظمة التحكم المُتكيّف في إشارات المرور، وتستخدم بيانات آنية من أجل تغيير ألوان إشارات المرور بما يتوافق مع حجم الازدحام.

وتقول وزارة النقل الأمريكية أن باستطاعة هذه الأنظمة تقليل المدة اللازمة للتنقل بنسبة 10% وقد تصل إلى 50% في المناطق التي تستخدم أنظمة قديمة لإدارة إشارات المرور. كما تُقلل أيضًا مدة انتظار السيارات في تقاطعات الطرق.

وتعتمد أنظمة التحكم في إشارات المرور على البيانات التي تجمعها أجهزة استشعار تُوضع في أماكن مُختارة بعناية. ومن ثم تُعالِج هذه البيانات لتُحدد آنيًا أي الإشارات ستتحول إلى اللون الأحمر وأيها سيسمح للسيارات بالمرور.

ولا تعني سلاسة حركة المرور تيسير قيادة السيارات فحسب، بل إن لها تأثيرات اقتصادية ملموسة وفقًا لوزارة النقل. ويُقِّدر “معهد تكساس للنقل” أن ازدحام المرور في الولايات المتحدة كبَّد الاقتصاد 87.2 مليار دولارفي عام 2007 بسبب إهدار الوقود وخسارة إنتاجية العاملين، الأمر الذي يعني أن تخفيف الازدحام سيُوفر إهدار الموارد الحكومية ووقت الموظفين في تلقي الشكاوى والتعامل معها.

تعرف في الفيديو التالي على أمثلة عملية من هذا المجال:

كما أن تحسين حركة المرور والاستفادة من أجهزة الاستشعار سيعود بالنفع على المواصلات العامة سواءً كانت سيارات الأجرة أو خدمات النقل التشاركي أو الحافلات العامة. وتستفيد هيئات المواصلات في عدة مدن من المعلومات في الوقت الفعلي لتزويد الجمهور بتنبؤات دقيقة عن الوقت المُتوقع لبلوغ وجهاتهم.

ثانيًا: كاميرات المراقبة:

يتزايد انتشار كاميرات المراقبة في المدن حول العالم، وتتوقع شركة “إنفيديا” لصناعة معالجات الرسومات وصول عددها إلى مليار كاميرا بحلول العام المُقبل. ويرتبط هذا الانتشار الواسع بمخاوف من انتهاك خصوصية الأفراد واحتمالات استخدامها في ممارسات قمعية.

وفي الوقت نفسه، تبينت فائدة الكاميرات في تعزيز السلامة العامة وتقليل مُعدلات الجرائم في بعض المناطق والإيقاع بالمجرمين. لكن هذا العدد الهائل من الكاميرات يُنتِج من الفيديو ما يفوق قدرة أي فريق بشري على المتابعة ناهيك عن المعالجة والتحليل؛ ففي أثناء التحقيقات الجنائية تُستخدم الفيديوهات لرصد أشخاص أو أنشطة بعينها لكن تظل المتابعة المستمرة لتسجيلات كاميرات المراقبة هدفًا بعيد المنال.

ولذلك تستهدف الحكومات ومطورو الذكاء الاصطناعي تطوير آليات لتحليل تسجيلات الكاميرات، ومن بين تلك المساعي “مشروع ميفن” التابع لوزارة الدفاع الأمريكية الذي يشمل تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على رصد أشياء وأنشطة معينة في التسجيلات.

ويسعى مشروعٌ آخر يُشرِف عليه “نشاط مشروعات أبحاث الاستخبارات المتقدمة”، القسم البحثي التابع للاستخبارات الأمريكية، لاستخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة مصادر متعددة للفيديو في الوقت الحقيقي. كما تُطوِّر بعض الشركات أدوات لمراقبة تسجيلات الفيديو تستخدم التعلم العميق لتسريع عمليات التحليل مثل منصة “متروبوليس” من شركة “إنفيديا”.

ثالثًا: المياه والطاقة:

ثبتت إسهامات الذكاء الاصطناعي في تبسيط شبكات المياه والكهرباء وزيادة كفاءتها. وقالت شركة “جوجل” أن استخدامها للذكاء الاصطناعي أسهم في تخفيض استهلاك مراكز بياناتها من الكهرباء بنسبة 40%.

وتُوظِّف المدن الذكاء الاصطناعي لتحسين إدارة شبكات الطاقة. وعلى سبيل المثال، حققت مدينة تشاتانوجا بولاية تينيسي نجاحًا في تكنولوجيا الشبكات الذكية، وتتعاون مع “مختبر أوك ريدج الوطني” و”جامعة تينيسي” في نوكسفيل لتطوير شبكة صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية في مطار المدينة. كما يُسهِم الذكاء الاصطناعي في قياس المياه والتحكم في المياه الزائدة وتحديد مواضع التسرب.

رابعًا: السلامة العامة:

يُساعِد الذكاء الاصطناعي في التخفيف من إحدى أكثر المشكلات ارتباطًا بالمدن؛ وهي تنظيم انتظار السيارات. وتستخدم مدينة ريدوود في ولاية كاليفورنيا إطارًا تنبؤيًا يستند على الذكاء الاصطناعي من شركة “فيموك تكنولوجيز” لتحديد أنماط الاستخدام في مواقف السيارات وغيرها من المناطق وزيادة كفاءة عملية انتظار السيارات.

كما تستعين الشرطة بتقنية قراءة لوحات تسجيل السيارات للوصول إلى السيارات المسروقة وتحديد السيارات التي انقضت صلاحية تسجيلها والتحقق من السيارات المرتبطة بارتكاب جرائم. وتستطيع أجهزة قراءة لوحات السيارات المُثبتة أسفل مركبات الشرطة مسح 1800 لوحة في الدقيقة عبر أربع حارات على الطريق، وتُرسِل تبيهات فورية لضبط السيارات المُخالِفة، وفقًا لشركة “ليوناردو” المُصنّعة لأجهزة قراءة اللوحات.

وتُطبق بعض هيئات الشرطة أساليب تنبؤية لمراقبة مرتكبي الجرائم الجنسية ومواجهة عنف العصابات، كما تُستَخدم أساليب الشرطة التنبؤية لمنع ارتكاب بعض الجرائم وتحديد الأحكام الجنائية وترشيح السجناء للحصول على إطلاق السراح المشروط.

وفي واقع الأمر لا تسلم أغلب هذه الابتكارات من انتقادات لمخالفتها اعتبارات حماية الخصوصية، وكذلك بسبب القرارات الظالمة التي قد تنتهي إليها أنظمة الشرطة التنبؤية بسبب انحياز البيانات والخوارزميات. وبينما لا ينبغي التقليل من أهمية الحقوق المدنية وضرورة تعديل بعض هذه التقنيات، إلا أن هذه الاعتراضات على الأرجح لن تُوقف توسع دور الذكاء الاصطناعي في إدارة المدن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق