التحول الرقمي

3 مهارات ضرورية في عصر التغيير المُزعزع

خلال العقود القليلة الماضية فاقت التغييرات التقنية والاجتماعية والاقتصادية المُتلاحقة ما جرى خلال قرون بأكملها، ولا يكاد يجد الأفراد والمؤسسات مجالًا لاستيعاب أحد التطورات قبل أن يباغتها آخر.

وبطبيعة الحال فليس التطور التقني بحد ذاته أمرًا جديدًا؛ إذ أحدث ابتكار الهواتف الثابتة والسيارات – على سبيل المثال – تغييرات عميقة الأثر في المجتمعات، لكن الفارق أن انتشارها جرى تدريجيًا واستوعب أحيانًا عدة عقود، بينما لم يستغرق انتشار الهواتف المحمولة ومواقع الإعلام الاجتماعي الوقت نفسه. ويُتوقع أن تتبع تقنيات الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والروبوتات مسارًا مُماثلًا، وستُلازمها بالضرورة تغييرات جذرية في حياة الناس والمجتمعات على أكثر من صعيد.

وفضلًا عن سرعة التغييرات الراهنة، فإن آثارها تصل للجميع من الحكومات والشركات العملاقة وحتى المواطنين، ومن ذلك تأثير خدمات النقل التشاركي مثل “أوبر”  و”كريم” على أساليب التنقل والقوانين وسيارات الأجرة. وسيكون على “أوبر” ومثيلاتها التعامل مع موجةٍ وشيكة من التغيير مع انتشار المركبات ذاتية القيادة.

كل ذلك يجعل عصرنا جديرًا باسم عصر التغيير المُزعزع (Disruptive Change). وهو تغيير لا تزال بعض أبعاده خافية حتى على بعض مُبتكري التقنيات أنفسهم.

وفي التعامل مع هذا التغيير المُزعزع لا يُفلح التهافت وراء اقتناء التقنيات دون رؤية واضحة لآثارها وكيفية الاستفادة منها؛ إذ سينتهي هذا الطريق إلى إنفاقٍ طائل دون قيمة فعلية.

ويبدأ السبيل الأفضل بالتعلم المستمر والاستعداد للتغيير على المستويات السياسية والتعليمية والاقتصادية. ويشمل التغيير المنشود المهارات الفردية مثلما يمتد إلى أساليب القيادة وخطط المؤسسات. وهناك ثلاث مهارات أساسية لمواجهة التغيير المُزعزع تبدأ بالتعلم مرورًا بالتكيّف مع حصةٍ لازمة من التفاؤل المُتعقل.

أولًا: رشاقة التعلم:

وتعني القدرة على التعلم وقبلها الرغبة في التعلم، والاستفادة من الدروس الجديدة بتطبيقها في مواقف مختلفة كليًا. ويُغذي الرغبة في التعلم المستمر الفضول باعتباره الحافز الفطري للمعرفة والشرارة التي تدفع البشر للتساؤل والاستكشاف والابتكار وإعادة الكَرة مرة بعد أخرى.

وتتجلى فطرة التطلع للمعرفة لدى الأطفال أكثر من غيرهم بطرحهم الدائم للأسئلة بدايةً من أسماء الأشياء وحتى أمور أكثر تعقيدًا حول نشأة الحياة. وبسبب تأثيرات بعض النظم التعليمية والعملية التي تُقيّد التساؤل وتتبنى الترتيب الهرمي الجامد يتراجع الفضول مع التقدم في العمر.

وفي غياب مهارة الفضول للمعرفة وتنميتها سينتهي الأفراد -ولاحقًا المؤسسات- إلى كيانات جامدة تفشل في التكيف ناهيك عن التطور والتميز. وكما قال الكاتب والمفكر الأمريكي ألفين توفلر: “لن يكون الأميون في القرن الحادي والعشرين هم من لا يُحسنون القراءة والكتابة، بل أولئك الذين يعجزون عن التعلم وهجر ما تعلموه وإعادة التعلم”.

تعرف في الفيديو التالي على تأثير الذكاء الاصطناعي على أساليب العمل والتعلم في المؤسسة:

ثانيًا: المرونة:

يُقصد بالمرونة قدرة الأشخاص والمؤسسات على النهوض عقب الأزمات التي باتت عمادًا لعالم اليوم الذي يشوبه الاضطراب، الأمر الذي يجعل من التعامل الفعّال مع الضغوط والتحديات الجديدة وحتى الكوارث أمرًا حيويًا من أجل البقاء والازدهار.

ومثلما تُفيد المرونة كثيرًا في العلاقات الاجتماعية، فهي سمةٌ أساسية في مجال الأعمال. وبمقدور الأفراد تنمية قدرتهم على المرونة من خلال التأمل، وممارسة ما يُمكن تسميته بإعادة التشكيل المعرفي أي استيعاب الإيجابيات والسلبيات معًا عند النظر للأزمات، بالإضافة إلى تجنب منظور الضحية أو التساؤل اليائس عن أسباب وقوع الكوارث.

ثالثًا: التفاؤل المُتوازن:

التفاؤل أساسًا هو النزوع لتوقع أفضل النتائج المُمكنة، أما التفاؤل المُتوازن فيمزج هذا الميل بنصيبٍ صحيّ من التفكير الواقعي والتشاؤم بحيث يجمع الأفراد بين توقعات طيبة حيال المستقبل وفهم دقيق لمعطيات الواقع واختيار أفضل الحلول المُمكنة.

ويُسهِم في دعم التفاؤل القائم على الواقع الالتفات إلى الجوانب الإيجابية مهما بدت هينة، والتيقظ للمتغيرات، والقراءة حول تجارب المتفائلين، وصحبة أولئك الذين يتميزون بنظراتٍ متفائلة ومنطقية لواقعهم.

وأخيرًا وبينما نعيش في عالم يموج بالتقلب والتعقيد والغموض، لا يكمن سر النجاة والازدهار في تجنب الفشل كليًا أو حتى في التقليل منه، وإنما في سرعة النهوض بعد كل عثرة والتعلم من كل شِدَّة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق